Cheap Web Hosting | Free Web Hosting | Dedicated Servers | Windows Hosting | Free Web Space | Trade Show Displays | GoDaddy Coupon Codes | FrontPage Hosting | Business Hosting
cheap web hosting
Search the Web

 

 
 

العنف الثقافي في العراق

د. سناء مصطفى       

لماذا يكون النقد الموجه إلى عدنان الصائغ نقدا لجيل كامل ولا يكون النقد الموجه إلى شلش أو عبد الرزاق عبد الواحد موجها إلى أجيال أخرى?

إن الكم الهائل الذي كتب من شعر ونثر وقصة عن الحرب العراقية الإيرانية في الثمانينات لهو جدير بالتوقف عنده

من المواضيع التي باتت تشغل بال المثقفين العراقيين في المنفى بشكل عام هو ما سلط عليه الضوء الكاتب سلام عبود من ثقافة العنف في كتابه الموسوم ب (ثقافة العنف في العراق) الصادر من دار منشورات الجمل في ألمانيا هذا العام, إذ يعاني المثقفون العراقيون من العنف سواء في الداخل من قبل السلطة وحتى في الخارج من قبل مختلف المؤسسات الثقافية التابعة لجهات سياسية مختلفة والتي يتأثر من جرائها المثقفين المستقلين الذين لا تدعمهم جهة ما في حالة نشر كتاب تفتقر إليه المكتبة العربية.
ولهذا يضطر المثقف إلى تغطية تكاليف الكتاب بنفسه, والى جانب ذلك يوجد المثقف المتلزم سياسيا والمؤمن بما يكتبه سلبا أو إيجابا وكذلك المثقف الذي ينشر من أجل الكسب المادي والحصول على حظوة لدى الحاكم متزلفا إليه بالإضافة إلى المثقف المنهار سياسيا والذي غير خطه السياسي لسبب ما تعرض له.

وقد لا يتمكن المرء من فهم ما كتبه سلام عبود حول ثقافة العنف في العراق دون إلقاء نظرة على الواقع السياسي الاجتماعي في العراق منذ ثورة تموز 1958والاطلاع على تجارب الشعوب الأخرى التي مرت بظروف مماثلة للعراق كما هو الحال في ألمانيا الهتلرية والاتحاد السوفيتي (اس) إبان الحكم الستاليني خاصة, أورد بعض الأمثلة لكتاب وشعراء مشهورين من أس:
إيفان بونين: لم يساند ثورة أكتوبر 1917 انتقدها بشدة لأنها دمرت الملكية الفردية في القطاع الزراعي والثروة الزراعية وفي العام 1917 هاجر إلى فرنسا وفي عام 1933 حصل على جائزة نوبل للآداب ومات في سنة 1950.
ألكسي تولستوي: عاش سنة 1918 في فرنسا ورجع إلى روسيا إبان حكم ستالين, قدره ستالين عاليا إذ منحه شقة وبيتا ريفيا وعاش في وضع مادي ممتاز لأنه لم ينتقد الوضع السياسي في اس.
مكسيم غوركي: عاد من إيطاليا في العشرينات وعاش في وضع مادي ممتاز ولم ينتقد الأوضاع التي تعرض لها المعتقلون في معسكر اعتقال بيلومور في شمال روسيا على الرغم من زيارته للمعسكر ومشاهدته للأوضاع السيئة هناك, تمتع بشخصية غير متوازنة ومهزوزة وكتب كذبا حول الحياة في اس إذ صدقه كثير من الكتاب والشعراء المهاجرين الذين اعتقلوا بعد رجوعهم إلى روسيا ومنهم مارينا تسفيتايوفا وآنا أخماتوفا.
مارينا تسفيتايوفا: عادت من المهجر في فرنسا إلى روسيا قبل بداية الحرب العالمية الثانية, أرسل زوجها إلى المعتقل ومات هناك, أما ابنها فلم يعرف عنه شيا وقضت ابنتها عدة سنوات في معسكر للأعمال الشاقة.
آنا أخماتونا: عاشت في وضع مادي صعب جدا وعلى مساعدة الأصدقاء, قتل زوجها غوميلوف في 1921 وسجن ابنها في معسكرات الاعتقال ثلاث مرات ولم تستطع الكلام مع أصدقائها إلا بواسطة القلم والورقة لوجود أجهزة تنصت في بيتها.
بوريس باستيرناك: كاتب عبقري ومترجم ممتاز, اعتقلت عشيقته عدة مرات في معسكرات الاعتقال طعنا به ورفض جائزة نوبل بضغط من السلطات السوفيتية إبان حكم بريجينيف.
يوسف برودسكي: حاز على جائزة نوبل للآداب في العام 1987 بعد هجرته إلى أمريكا, كتب شعرا نقديا ضد الوضع السياسي في اس, في المحكمة التي أقيمت ضده قبل هجرته اتهم بعدم العمل على الرغم من تقديمه عقد عمل مع إحدى دور النشر في موسكو (يقدم الشخص في اس للمحاكمة إذا لم يعمل ستة أشهر) اعتقل وأرسل إلى معسكر الاعتقال حيث قضى عدة سنوات في عهد بريجنيف, أطلق سراحه بعد حملة مطالبة شعبية وعالمية.
بقي أن نذكر أنه كان في ألمانيا وحدها 16 دار للنشر باللغة الروسية في سنة 1922, وعليه يمكن لنا أن نتصور ما هو عدد المثقفين الروس الذين هاجروا إلى ألمانيا بعد العام 1917.
إن الشاعر والقاص والناقد والكاتب هم بشر يشبه حالهم حال الناس الآخرين الذين يتعرضون لظروف الاضطهاد والتعسف والقمع والإرهاب, فمنهم من يصمد ويستشهد ومنهم من ينهار ويجري مع التيار ومنهم من يركب الموجة فيغتني على حساب الآخرين وتكون له ثروة طائلة ومنهم من يعتزل وينطوي على نفسه قابعا في بيته.
ولهذا فمن الصعب بمكان إصدار حكم على أي كان من هؤلاء دون فحص وتحليل ظروف كل واحد منهم على حدة وبالاستناد على نصوصهم الأدبية والفنية, إن الكم الهائل الذي كتب من شعر ونثر وقصة عن الحرب العراقية الإيرانية في الثمانينات لهو جدير بالتوقف عنده وكم من الأغاني أذيعت من قبل محطة وتلفزيون بغداد تمجد بالحرب وكأنها شيء مفرح حتى أتذكر ما قاله لي أحد الأصدقاء الذي كان في العراق آنذاك بأنه (يوجد شاعر خفر وملحن خفر ومغني خفر في الإذاعة من أجل مواكبة الأحداث في جبهة القتال وإذاعة أغنية تليق بالحدث) وربما يوجد كاتب خفر لكتابة مقالة أو قصة تمجد ذلك الحدث إثر بيان عسكري صادر من القيادة العليا للقوات العراقية المسلحة. فيا ترى هل جاء هذا عن عبث أو يمتلك خلفية تاريخية تمتد إلى فترة الخمسينات والستينات بالذات حيث تعرض المثقفون العراقيون نتيجة تغير الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية في العراق إلى قمع واضطهاد?
لقد استخدم الباحث سلام عبود في كتابه أسلوبا نقديا علميا مستندا على أدوات تحليلية صحيحة, تاريخية وسياسية واجتماعية, الذي جعل من الكتاب يتمتع بقيمة وأهمية علمية جيدة جدا , هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فإن النتائج التي توصل إليها كانت على مستوى جيد من الأهمية بحيث أغنت التجربة النقدية الأدبية العراقية, وهو ما كان يتوخاه الباحث من عمله.
لقد ظهرت الخيبة والهزيمة السياسية في الأدب العراقي في السبعينات في كتابات عبد الرحمن مجيد الربيعي في (الوشم) ( ص 273) فقد كان كريم الناصري بطل قصة الوشم هو عينه عبد الرحمن الربيعي, في بحثه عن أفق جديد بعد موجة الخيبة التي لازمته ولازمت جزءا كبيرا من جيل اليساريين, وكان بطله عاجزا مثله عن اتخاذ موقف حاسم (ص 273 - 275) هذا في حين لم تنتاب الخيبة السياسية كتاب وشعراء من مدينته الناصرية مثل قيس لفتة مراد ورشيد مجيد المصور وأحمد الباقري وغيرهم من الذين تعرضوا للسجن والاضطهاد والفصل السياسي أمثال ناجي السعيدي وشهاب أحمد والفنان التشكيلي أحمد أمير والشهيد خالد محمود الأمين, وتطول القائمة بأسماء المثقفين اليساريين من مدينة الناصرية الذين تعرضوا لأشكال كثيرة من الذل والهوان ومحاربتهم في لقمة عيشهم ولكنهم صمدوا بوجه الجلاد.
ومن المفارقات المتعلقة بالكتاب, وهي مفارقات تعكس طبيعة الواقع الثقافي العراقي, أن الصحافة العربية أظهرت اهتماما أكبر بالكتاب من الصحافة العراقية, ولم يبد الكتاب العراقيون سوى ردود فعل محدودة المدى, منها على سبيل المثال المتابعات القيمة التي نشرها حسين الموزاني في صحيفة السفير و د. محمد حسين الأعرجي وعبد الحميد الصائح في صحيفة المؤتمر, عدا ذلك فإن الطرف الوحيد الذي تناول الكتاب بحماس شديد هو الشاعر عدنان الصائغ, الذي مثلت ردوده نموذجا خاصا من نماذج أدب الحوار, يعيدنا إلى ثقافة كاد بعض المنفيين أن ينسوها وأعني بها حوار السلطة بكل ما يتضمنه من خصائص, وهي أمور قد تبدو غريبة على البعض, لذلك سنتوقف هنا قليلا عند هذا النموذج, خشية أن لا يتحول إلى طريقة سائدة في مجال مناقشة الثقافة أو مناقشة قضايا وطنية كبيرة كالحرب وجوهر نظام الحكم وغيرها من الأمور التي ربما ستفسد السعي الذي يريده أغلب العراقيين الرامين الى خلق ثقافة بديلة لثقافة القمع, ثقافة قائمة على الجدل والحوار البناء واعتماد الحقائق والتسامح ونبذ العنف.
1- قام عدنان الصائغ بتزوير نص له, عرض من قبله كنوع من الاستشهاد ليثبت فيه براءته من تهمة تأييد الحرب, وهذا أمر غريب جدا في مجال الحوار الثقافي! فقد اقتطع الصائغ الجزء الذي أورده الكاتب سلام عبود كدليل على أن ذلك النص جزء من ثقافة الحرب التعبوية, وهو نفس استنتاج السيد عبد الحميد الصائح, فبعد الاستهزاء بالطلقة, وبعد عدد من الجمل, يقول النص, مخاطبا الطلقة, (أتحداها أن تغتال من القلب, قصيدة حب ولدت هذا الصبح في باب الموضع), هنا في هذا (الموضع) موضع الحرب الدموية الصدامية يكمن الخلاف الجوهري بين عدنان الصائغ وسلام عبود, فسلام عبود على الضد من الصائغ يرى أن مواضع الجند, هي مواضع للموت والخراب, وهي لا يمكن لها أن تنتج قصيدة حب, إلا إذا كان حبا مكرسا للسلطة الظالمة, ذلك هو الخلاف الجوهري, الذي سعى الصائغ إلى حذفه, وهو أمر يكشف أن الصائغ يعرف معرفة دقيقة مواقع الضعف والفساد في تصوراته, وبدلا من أن يقر بها, نراه يسعى جاهدا إلى إخفائها, أي أن الصائغ لا يهدف برده إلى مناقشة أفكار الكتاب, بل يهدف إلى أمر مغاير تماما , هو تضليل القارئ, ظنا منه أنه سيكون بمنجاة من التدقيق والتمحيص, لقد أطلق الصائغ وبعض كتاب الحرب على هذا النوع من النقاش تسمية غريبة اسمها (المراوغة) وهي مفردة كثرت في نصوص الصائغ, وهو كما يبدو يسعى إلى تطبيقها هنا, في الخارج أيضا !.
2- في رد الصائغ الثاني (المؤتمر, العدد 304) تراجعت لهجة المراوغة قليلا , وظهرت بدلا عنها نبرة التشكي, لكنه تشكي غريب أيضا , ففي المقال الأول كان الصائغ يتكلم عن النصف الفارغ والنصف المملوء, مستخدما عبارات جارحة, مثل تسمية النقد بالشتم وتسمية خصومه ب (الأبواق) و (الهلاميين ومروجي الإشاعات) وهذه تسميات شائعة في ثقافة الحرب, أخذ الصائغ في رده الثاني يتشكى قائلا : فأنت لا ترضى مثلا أن يقتطف أحد مقطعا صغيرا من بداياتك ويقول ببساطة (وبرودة دم) هذه تجربة عبد الحميد الصائح وهذه تجربة جيل الثمانينات, والسؤال الموجه إلى الصائغ: هل بداية تجربتك لا تنسب إليك? هل يجب أن تحذف كل البدايات? وهل هي معفية من النقد, خاصة إذا كانت ذات صلة بعملية تعبئة الناس للموت? ولماذا يجب أن تستثنى? إن ما هو محير في الأمر أن الصائغ يدافع عن نصوص كتبها وهو في أوج نضجه الفني, أي في ظل حصوله على جوائز القادسية والفاو وغيرها.
3- ينفي الصائغ عن نفسه أية صلة بمفردات الحرب, ويقول إن قصائده تتضمن كلمات مثل البلابل والعصافير وغيرها, ناسيا أن قصيدته تلك هي مجرد صدى لقصيدة عصفورية أيضا للشاعر حميد سعيد, ويقول عدنان الصائغ في نص الفاو: (من القائد إلى الفاو.. من اتحاد نساء العراق إلى الفاو.. نترقب من سطوح المنازل هلاهل النصر, ونطلق الزغاريد والدعوات والحلوى, من ماهر عبد الرشيد وأياد فتيح الراوي.. ماذا نفعل?!.
كيف يفسر لنا الصائغ هذه المفردات? سنعيد للصائغ تساؤله الذي أورده في المؤتمر العدد 301 كاملا : (إذا كان النقد العراقي أو العربي, أو الحزبي, أو الديني, أو البنيوي, أو العشائري, يرى أن هذه القصيدة تقع في إطار ثقافة العنف, فعلى النقد السلام). لا أظن أن الصائغ سيفسر كلمة القائد هنا على أنها جورج بوش, كما فسر نصه (خرجت من الحرب سهوا ): (نباح الحروب العقيمة يطلقها الجنرال على لحمنا فنراوغ أسنانها) على أن (الجنرال) الذي يحاصر العراق هو صدام, وأنه كان يشتم صدام, لقد نسي الصائغ إنه قال قبل ذلك بأسطر: (سلاما بلادي التي كلما حاصرتها القنابل/ حملت جرحها راية تقاتل, ومالت على جهة الروم, لا روم غير الذي ترك الأهل في ظهرنا, من طعان السنان المخاتل) إن ما لم يلاحظه الصائغ هنا, ليس كثرة ورود أسماء كبار قادة الحرب في العراق فقط, ما لم يلاحظه أيضا أنه استغنى عن الشعب العراقي كله, وعن نساء العراق كلهن, ووضع بدلا عنهم (اتحاد نساء العراق), كمستطعم وحيد للنصر العراقي, أهي رسالة إلى ساجدة? أم هي مراوغة للرقيب? وأي رقيب أراد الشاعر أن يراوغ هنا? تلك أمور لا تقبل الخصام والنقاش والاجتهاد, تلك شوائب عاشها الناس, أو أرغموا عليها, حري بهم التخلص منها لا الدفاع عنها, لأن التستر عليها والدفاع عنها سيعيد مرة أخرى دورة الشر والدمار.
4- لقد زاد الشاعر عدنان الصائغ من دائرة الشك المضروبة حوله حينما تهرب من مناقشة نصوصه بالإنكار والحذف, وزاد من ظلال الشك حينما راح يتخفى خلف أسماء لم يقم الكتاب بالتطرق إليها, ثم حاول أن يبين أن خلافه مع الكتاب يكمن في أن الكتاب (شتم) جيل الثمانينات كله, وقد فات على الصائغ أن هذا الكتاب على وجه التحديد يعتمد منهجا خاصا قل ما نجده في كتاب ثقافي آخر, وهو منهج يقوم على دراسة النصوص بأسمائها وتواريخها, فهو لم يتحدث عن جيل أو أجيال الحرب, وإنما تحدث عن أسماء محددة, منهم عدنان الصائغ وسامي مهدي وحميد سعيد ومحمد جميل شلش, فلماذا يكون النقد الموجه إلى عدنان الصائغ نقدا لجيل كامل ولا يكون النقد الموجه إلى شلش أو عبد الرزاق عبد الواحد موجها إلى أجيال أخرى? إن الاختفاء خلف الآخرين لا يحل على الإطلاق مشكلة الأخطاء التي يرتكبها هذا الفرد أو ذاك في هذه أو تلك الحقبة من حياته, إن مواجهة الذات بصدق ومسؤولية هي الوسيلة الوحيدة التي توصل إلى الحقيقة والتسامح, أما الإنكار (وتحزيب) الآخرين, فهذا سلاح من أسلحة السلطات القامعة, لا من أسلحة المثقفين, وهو سلاح لا يبرئ أحدا , على العكس ربما أضاف ظلال جديدة من الشك إلى الصورة موضع المناقشة.
5- في رده الثاني تقدم الصائغ خطوة كبيرة جدا , حينما ذكر بعض أسماء الذين كتبوا عن الحرب (كمال الحديثي, رعد بندر, علي الياسري, ساجدة الموسوي, لؤي حقي وأمثالهم) إلا أن الصائغ نسي هذه المرة أيضا أن هؤلاء ليسوا (كبارا ) من كتبوا عن الحرب, وأن هؤلاء أصبحوا في الآونة الأخيرة عرضة للنقد حتى داخل العراق, والسؤال هو: لماذا أغفل الكبار: حميد سعيد وسامي مهدي وشلش وعبد الرزاق عبد الواحد? أهو سهوا أيضا أم مراوغة?
6- لجأ الصائغ في نقده للكتاب إلى أسلوب الهجوم الشخصي, مستخدما كلمات قاسية مثل (الشتم) (الغباء) (الهلاميين) (مروجي الإشاعات) وهو أسلوب حرص كتاب (ثقافة العنف) حرصا تاما على تجنبه, وقد أشار الكاتب في مقدمته إلى أنه يربأ بنفسه عن هذا, لأن مثل هذا الحوار سيعمق من شدة أزمة الواقع الأخلاقي ولا يسهم بتحسين صورة الثقافة, ولهذا السبب ابتعد الكاتب تماما عن كل ما يمس الجوانب الشخصية للأدباء, وتلك كانت واحدة من أهم جوانب الكتاب الإيجابية, المغايرة للخطاب الثقافي السائد, حيث غدا النص لا الكاتب هو مصدر البحث وغايته, وقد شمل هذا الأمر حتى كتاب السلطة الكبار, الذين عولجوا من غير تجريح أو إساءة شخصية, وعلى العكس من هذا نجد أن الصائغ يلجأ إلى أسلوب تعميم الاتهامات الشخصية, حينما يقول بأن الكاتب سلمه بجرة قلم إلى السلطة, وفي واقع الأمر, إن كاتبا مثل سلام عبود لا يستطيع تسليم أحد إلى السلطة خاصة من هو في موقع عدنان الصائغ, لسبب بسيط هو أن عدنان قدم نفسه مبكرا للسلطة حينما عمل في جريدة المؤسسة العسكرية (حراس الوطن) وحينما كان له عمود خاص في جريدة القادسية وحينما ترأس جمعية الأدباء الشباب وحينما طبع كتبه على نفقة السلطة وبعضها على نفقة عدي, وحينما استلم جوائز الفاو والقادسية والحصار واتحاد الصحفيين وغيرها, كيف يمكن لكاتب مهاجر أن يسلم شخصا كان على هذا القدر من القرب من السلطة إلى السلطة نفسها? إن الصائغ في رده هذا يفتح مجددا بابا غير مستحب, أراد الكاتب إغلاقه, وهو الخوض في الجانب الشخصي, لأن الخوض في مثل هذا الجانب لا يخدم دراسة النصوص ولا يطور الجدل الثقافي وربما سيكون له وقع شخصي مدمر على بشر كثيرين يحاولون كل واحد بطريقته الخاصة الخروج من كارثة السلطة وحروبها الدائمة, منهم الشاعر عدنان الصائغ نفسه.
7- إن سبب توقفنا مطولا عند رد الصائغ يكمن في أن البعض ما زال مصرا على ممارسة ثقافة العنف سواء كان داخل العراق أو خارجه, ومثل هذا وجدناه أيضا في رد عبد الخالق كيطان المنشور في جريدة الشرق الأوسط بتاريخ 31/5/2002, والذي يغترف كثيرا من منطق ثقافة العنف.
8- ومما لا شك فيه أن البحث عن الحقيقة مسعى شاق, لكنه غير مستحيل, وسيغدو مستحيلا جدا , إذا أصر المتحاورون على التمسك بأخطائهم وخطاياهم, وإذا أصروا على عدم الإصغاء إلى صوت المنطق, إن نبذ العنف السياسي والثقافي هو الطريق الوحيد الذي يقود نحو آفاق رحبة من أجواء التسامح والازدهار الروحي والأخلاقي, الذي هو عماد الفن الصادق والأدب السامي, أما المراوغة وتزوير الذات فهي جزء من مخلفات لغة القمع والخراب الروحي, التي تتبناها قوى الظلام والقهر.

 

 
 

اغلاق الصفحة